محمد بن جرير الطبري

152

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

أن الله ربُّ عَالمي زَمن نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم ، دون عالمي سائر الأزمنة غيره - كان واضحًا فساد قول من زعم أنّ تأويلَهُ : ربُّ عالَمِ الدنيا دُون عالَمِ الآخرة ، وأنّ " مالك يوم الدين " استحقَّ الوصلَ به ليُعلَم أنه في الآخرة من مِلْكِهم ورُبُوبيتهم بمثل الذي كان عليه في الدنيا . ويُسْأل زاعم ذلك ، الفرقَ بينه وبين متحكم مثله - في تأويل قوله ( رب العالمين ) ، تحكَّم فقال : إنه إنما عنى بذلك أنه ربّ عالمي زمان محمّد صلى الله عليه وسلم ، دون عالمي غيره من الأزمان الماضية قبله ، والحادثة بعده ، كالذي زعم قائل هذا القول : أنه عَنى به عالمي الدنيا دُون عالمي الآخرة - من أصل أو دلالة ( 1 ) . فلن يقول في أحدهما شيئًا إلا ألزم في الآخر مثله . وأما الزاعم أن تأويل قوله ( مالك يوم الدين ) أنه الذي يملكُ إقامة يَوم الدين ، فإن الذي ألزمْنا قَائلَ هذا القول الذي قبله - له لازمٌ . إذْ كانت إقامةُ القيامة ، إنما هي إعادة الخلق الذين قد بادوا لهيئاتهم التي كانوا عليها قبل الهلاك ، في الدار التي أعَدّ الله لهم فيها ما أعدّ . وُهمُ العالَمون الذين قد أخبر جلّ ذكره عنهم أنه ربُّهم في قوله ( ربّ العالمين ) . وأما تأويل ذلك في قراءة من قرأ ( مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ ) ، فإنه أراد : يا مالك يوم الدين ، فنصَبه بنيّة النداء والدعاء ، كما قال جلّ ثناؤه : ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ) [ سورة يوسف : 29 ] بتأويل : يا يوسف أعرضْ عن هذا ، وكما قال الشاعر من بني أسد ، وهو شعر - فيما يقال - جاهلي : إنْ كُنْتَ أَزْنَنْتَني بِهَا كَذِبًا . . . جَزْءُ ، فلاقَيْتَ مِثْلَهَا عَجِلا ( 2 )

--> ( 1 ) سياق العبارة : " ويسأل زاعم ذلك ، الفرق . . . من أصل أو دلالة " ، وما بينهما فصل . ( 2 ) الشعر لجاهلي مخضرم هو حضرمي بن عامر الأسدي ، وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من بني أسد فأسلموا جميعًا . وسبب قوله هذا الشعر : أن إخوته كانوا تسعة ، فجلسوا على بئر فانخسفت بهم ، فورثهم ، فحسده ابن عمه جزء بن مالك بن مجمع ، وقال له : من مثلك ؟ مات إخوتك فورثتهم ، فأصبحت ناعمًا جذلا . وما كاد ، حتى جلس جزء وإخوة له تسعة على بئر فانخسفت بإخوته ونجا هو ، فبلغ ذلك حضرميًا فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، كلمة وافقت قدرًا وأبقت حقدًا . يعني قوله لجزء : " فلاقيت مثلها عجلا " . وأزننته بشيء : اتهمته به . انظر أمالي القالي 1 : 67 ، والكامل 1 : 41 - 42 وغيرهما .